الأحد، 10 سبتمبر 2017

قولوا حطّةٌ (3)

(قولوا حِطَّةٌ) سورة البقرة/الآية 58
****************************
ما معناها؟ وما علاقتها بـ (باب حطَّة) بالحرم القدسي؟
وهل قيل عن علي عليه السلام: (عليٌّ باب حطّة، من دخل منه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً)؟
وما معنى حديث: (إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له).
************
أكتب في بعض المنشورات, خاصة تلك التي تتضمن عناصر مشتركة بين الديانتين اليهودية والإسلامية أو التاريخين, انطلاقًا من ملاحظة عابرة تمرّ على الذهن حين قراءة بعض آيات التوراة أو فقراتها, أو آيات القرآن الكريم, أو الأحداث التاريخية, التي تلفتنا إلى موضوعات مهمة تشغل بالنا لكن لم تكتمل إرادة البدء في الكتابة فيها إلا بعد الربط بين أجزاء الصورة المتفرقة هنا وهناك كصورة تمزّقت فتفرقت ملامحها مع أجزائها ويكون عليك تجميع تلك الأجزاء لتعيد ملامحها من جديد!
من ذلك هذا المنشور الذي يتناول بالحديث آية (وقولوا حطّة), التي حار المفسرون في معنى حطّة, وفسرها معظمهم بخطيئة, أو قولوا ارتكبنا خطيئة فيُغفر لكم. 
والمهم عندي هو الربط بين هذه الكلمة بعد التعرف على معانيها المختلفة في اللغتين وبين تسمية أحد بوابات الحرم القدسي بـ (باب حطّة)! ليس هذا وحسب بل نجد بابًا آخر من الأبواب يحمل اسمًا آخر ينتمي إلى المصطلحات المشكلة بين الثقافتين وهو (باب الأسباط)! وآخر ثالث وهو (باب السلسلة), وهكذا, فكيف تسمّت بعض العناصر بمسميات مشتركة في الديانتين؟!
..........
فكلمة (حِطَّةٌ) موجودة بالنطق نفسه في العبرية أما الشكل فهو (חטה), المشددة حرفها الأوسط (الطاء) في اللغتين, والتي تتحد في النطق وتختلف في المعنى بين اللغتين على النحو التالي:
ورد في لسان العرب عن (حطّ) معاني كثيرة نختار منها : حطَّ اللّهُ عنه وِزْرَه، في الدعاء: وضَعَه، مَثَلٌ بذلك، أَي خفَّفَ اللّه عن ظَهْرِكَ ما أَثْقَلَه من الوِزْر. يقال: حطّ اللّه عنك وزرك
ولا أَنْقَضَ ظهرَك. واستحَطَّه وِزْرَه: سأَله أَن يَحُطَّه عنه، والاسم الحِطَّةُ. وحكي أَنَّ بني إِسرائيل إِنما قيل لهم: وقولوا حِطَّة، ليَسْتَحِطُّوا بذلك أَوْزارَهم فتُحَطَّ عنهم. . . ولو قرئت حِطَّةً كان وجهاً في العربية كأَنه قيل لهم: قولوا احْطُطْ عنّا ذنوبَنا حِطّةً، فحرَّفوا هذا القول وقالوا لفظة غير هذه اللفظة التي أُمِروا بها، وجملة ما قالوا أَنه أَمر عظيم سماهم اللّه به فاسقِينَ. 
ولم يذكر القرآن ما قالوا صراحة بل وصف حالهم بعبارة (بدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم). وقال ابن الأَعرابي: قيل لهم قولوا حطّة فقالوا (حنطة)! وفي الحديث: من ابتلاه اللّه ببَلاء في جَسَده فهو له حِطَّةٌ أَي تُحَطُّ عنه خطاياه وذنوبُه.
جدير بالذكر أن كلمة حِطّة التي طُلب من بني إسرائيل قولها لكي يغفر لهم لأنها تعني في العربية حطّ ذنوبهم عنهم, تعني في العبرية, بالنطق نفسه والصيغة, نبات الحنطة, فهل هذا التلاعب بالألفاظ واختلاف المعنى بين اللغتين هو المقصود بعبارة (بدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم)؟! 
ولم يصرح ربنا بالقول الذي قالوه وذكر عبارة (قولا غير الذي قيل)! فالله أعلم.
نذهب بعد ذلك إلى (باب حطَّة) وهو أحد أبواب ثلاثة للمسجد الأقصى يسمح بفتحها لدخول المصلين لصلوات الفجر والمغرب والعشاء, فقط! لذلك كثيرًا ما يغلق في وجه المتوجهين للصلاة بالمسجد المبارك من قبل سلطات الاحتلال. وباب حطّة في الجدار الشمالي للمسجد بين بابي الأسباط وفيصل. ويطل على حارة (السعديّة).
وحين طلب من بني إسرائيل الدخول من هذا الباب, وهذا معناه أن الباب كان موجودًا قبلهم, بعد أن يقولوا ما طلب منهم فلم يقولوه وبدلوه بما استوجب غضب الله عليهم, حلّ عليهم رجز من السماء فمات منهم 70 ألفًا بالوباء.
وورد في الكتابات القبّالية أن آدم أبي البشر أكل من هذه الثمرة؛ الحنطة, فأرتكب الخطيئة, وأن قابيل قدم قربانه للرب من نبات الأرض لذا فسر أنه أردأ من قربان هابيل الذي كان من الضأن, لذا تقبله الرب ولم يتقبل قربان نبات الأرض. ويرتبون على ذلك فيما يسمّى بحساب الجمّل أن كلمة حطّة العبرية (חטה) خاصة حرف الطاء/الأوسط يرمز إلى الشر ولما كان اللفظ يساوي العدد (9) لذلك خرب بيت المقدس/الهيكل في التاسع من آب, وهو موعد الذكرى السنوية والحزن على الخراب عند اليهود, حتى يومنا هذا.
لكن ما العلاقة بين لفظ الـ (حطّ/حطط) الذي اشتق منه الحِطَّة التي تتضمن معاني النزول والهبوط والزلل وغفران الذنوب وتكفيرها, والحنطة التي قالوها بدلا من حطَّة؟ و(باب حطّة)؟
في تصوري أن المعتقد اليهودي القبّالي عن فكرة خطيئة آدم أنه أكل من ثمرة الحنطة فكان جزاءه الطرد من الجنّة والعمل في الأرض ولما كانت الحنطة من أهم القرابين النباتية التي كانت تقدم في المقدس اليهودي كتكفير عن الذنوب وفي الهيكل بعد ذلك, في صور مختلفة؛ خبز الوجوه, والفطائر من العجين الملتوت بالزيت, وحفنة الدقيق, وغير ذلك. وكانت الحنطة كذلك هى أساس قرابين الفقراء الذين لا يملكون أثمان قرابين اللحم, وكانت الحد الأدنى من القربان المسمّى (الصاعد الهابط) لأنه كان يقدّر بحسب حالة المخطيء إيسارًا وعسرًا. كل ذلك جعل الحنطة هى أهم ما يقدمه معظم الخاطئين لبيت الرب تكفيرًا عن ذنوبهم.
ويرجع ذلك إلى أن القمح وعلى مرّ الزمان منذ خلق الله الأرض ومن عليها كان غذاء رئيسًا ومهمًا ليس للإنسان وحسب بل لمخلوقات أخرى عدّة وهو عنصر مشترك في كم هائل من المصنوعات الغذائية. ويمكن الركون إلى هذا السبب أيضًا, باعتبار القمح/البرّ عنصرًا أساسيًا في مجموعة حبوب زكاة الفطر في الإسلام.
ومن هنا ارتبط تكفير الخطايا (بالعبرية:حطائيم) بالحنطة (بالعبرية:حطَّا). ولأهمية قربان الحنطة في المقدسات اليهودية كان باب الحنطة/حطَّه المخصص للداخلين بقرابين الحنطة للهيكل.
فكأن الله تعالى قال لبني إسرائيل قولوا حطَّة, أي اطلبوا الغفران بالدخول من باب حطّة/باب الرحمة وهو ما يستلزم إتيانهم بحنطة لتكفير خطاياهم جريًا على ما استقرت عليه عادتهم. والله أعلى وأعلم. 
د. سامي الإمام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق